حبَّةُ الكرز الحمراء…


كتب رمزي ج. النجار في موقع الام تي في

ذاكرةُ تاريخ مسقط رأسي المعاصرة التي عشتها، كما الذكريات الراسخة سماعاً في وعينا، لا تحمل إلاّ المآسي، ويَكادُ الفرح أن يكون فيها نادر الوجود، مثل حبة الكرز الحمراء، الوحيدة وسط قطع الفاكهة المُعلّبة، اللزجة والباهتة الألوان.

 

من لعبة الكلّه ومذابح 1860م الطائفيّة الى مجاعة الحرب العالميّة الأولى، الى الجراد والمشانق وسفر برلك وصولاً الى البحث عن هويّة انتماء وسط الحرب الكونية الثانيّة والندم على الإستقلال والحنين الى الإنتداب مروراً بالحرب العربيّة الإسرائيليّة التي هزّت هزيمتها لبنان ديموغرافياً حتى أطلّت حربٌ أهليّة، أو “حرب الآخرين” على أرضنا وتجدّدت في عدّة فصول وجولات على مدى الأعوام 1975 وصولاً الى 1990 وبعد استراحةٍ منقوصة السيادة، عصف بلبنان استشهاد رفيق الحريري إغتيالاً، وتلاه العديد من وجوهٍ صُبِغَت بالدم وطَبَعَتْ صورها في ذاكرتنا لتحوّل أملنا بالصهر والتوليد الى خذلانٍ مرير توجّته حرب 2006 حيث نجح الدمار في مأسسة يأسنا وحزننا وإحباطنا، رغم انتصار لبنان على عدوّه التاريخي حيث وازن الرعب وأوحى لنا بسراب الوحدة الوطنيّة التي تبدّدت مع باقي فضلات احلامنا وآمالنا وغرست شعور الذنب فينا تجاه أولادنا واحفادنا. فجأةً ظهر داعش وراج الإرهاب وعادت مجازر السيارات المفخخة، ولم توفّر الجامع ولا الكنيسة ورافقتها مأساة سوريا والنزوح الجاف الى أرضنا، وتراجع أداء لبنان الاقتصادي، وزاد السواد الحالك في نفوسنا ومن جديد، عاد السراب، إذ ظهرت لنا، أو علّها تراءت لنا، حبة كرز حمراء واعدة ورائعة مثل التي لمحناها في آذار 2005، وكان ذلك في 17 تشرين الأول من العام 2019، لكنّها رؤية سرعان ما تبدّدت واختفت مع كوفيد 19، وباقي فيروسات الطائفية والمذهبيّة ولقاح الزعماء وامراء الحرب “الأزليين”، حتى إنهارَ الاقتصاد وهوى النقد الوطني وكافة مقوّمات العيش الكريم في لبنان.

لا… لم أنته بعد، إذ حلّت علينا لعنة جديدة عندما جاء الرابع من شهر آب منذ أيام معدودة، ففاقَ اليأسُ بأشواط الرعب، والمذلة والإجرام إذ فجّر بيروت، عاصمتي مدينتي، ودمّر الشوارع والأحياء والأماكن التي فيها وُلدت، وتعلّمت وعلَّمْت واختبأت في ملاجئها واستثمرت عمري عبر المؤسسات والشركات التي اسستها فيها… فجّروا بيروت التي فيها أبدعت وكتبت وصرفت السنوات عملاً دؤوباً لا يستكين، ورفضت هجرها وداويت جروحها كلما استطعت…

فجّروا بيروت ودخلنا نادي الضحايا الكيميائية لا بل شبه النووية فأزالوا معالم مدينتي، وشوهّوا سِمات هويتها ومظهرها وحضارتها وآثارها وهندستها ومبانيها وقتلوا كما نحروا وجرحوا أولادها بعد أن قطّعوا اوصالهم ونزفوا الحقد والفساد والإرهاب والإجرام فوق نقاوة دماء الأطفال والرجال والنساء والشيوخ، كما اغتصبوا الأمهات بتحويلهن الى ثكالى وأرامل أو أموات، وحطّموا رموز الرجولة كما الآباء، والأنوثة كما الأمهات، حيث زرعوا الذنب وتقصير المسؤوليات تجاه الأطفال والقاصرين والقاصرات.

هذا هو شريط ذكريات لبنان… حتى الآن، فماذا بعد؟

أرجوكم لا تقولوا “طائر الفينيق” ولا “رماد الإنبعاث” ولا “ماتت الف مرّة لتعود وتحيا الف مرّة…”. أرجوكم مُتضرعاً لا تكرّروا ما خّدّعنا منذ ولادتنا إذ لم يعد التدوير بنافعٍ، ولا مجال لإعادة صياغة نفايات التاريخ بالحاضر المأزوم

 

لن تجدي الكلمات الفارغة أمام الموت والآمال المتحلّلة في مقابر الذاكرة الجماعيّة.

لا تُصدّقوا بعد اليوم سراب حبة الكرز الحمراء، لأن الأحمر الوحيد في لبنان هو دم أبنائه وبناته، وحبة الكرز الحمراء فخٌ ومصيدة، وَهمٌ ورؤيةٌ خادعة.

حبة الكرز الحمراء… وحدنا ندفع ثمنها ونرويها بدمائنا وننسى أن نطوّر أدغالنا الى وطنٍ نستحقه وبذلنا له العرق والدم حتى جفَّت مسام وجوهنا وعروق اجسادنا…

متى يُصبح هذا الوهمُ واقعاً؟ ما من أحد غيرنا أكثر جدارة بوطنٍ بعد أن أسكرناه دما وعرقاً حتى الثمالة…

متى ننجحُ في أن نُصبِحَ يوماً… وطناً؟

 

عن الكاتب

خبير في التواصل الإعلامي


اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة تتميز بـ *


يمكنك استخدام HTML وسوم واكواد : <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>