رمزي النجار: الإعلام الإلكتروني تخلص من الإملاءات


النجار يؤكد أن الصحافة الورقية ليست مهددة بالانقراض

حوار الصحافيّة مها عادل مع خبير التواصل الإستراتيجي والإعلام رمزي النجار ونشر في ملحق استراحة الجمعة في جريدة الخليج اليوميّة.

في الآونة الأخيرة تعرضت صناعة الإعلام لتحديات كبيرة وصعوبات حقيقية، أصابت وسائلها مطبوعة ومسموعة ومرئية، باهتزازات عنيفة تكاد تفقدها توازنها وتهدد بقاءها واستمراريتها، ما دعا الكثير من الكتاب والخبراء في هذا المجال إلى البحث عن الأسباب وطرح الأفكار والحلول البديلة لاجتياز هذه المرحلة المضطربة، التي تمر بها تلك الصناعة في عالمنا العربي. وبمناسبة زيارته دبي على هامش حفل توقيع أحدث إصداراته كتاب «الحركة والسكون: الإعلام والقضاء»، مؤخراً، كان هذا الحوار مع الكاتب والخبير الإعلامي اللبناني الشهير رمزي النجار. النجار تطرق إلى طرح تصورات مهمة لمواكبة العصر الحديث بمفرداته وأيديولوجياته الجديدة والخطيرة.

 حدثنا عن مناسبة زيارتك إلى دبي، وانطباعاتك عنها فيما يخص صناعة الإعلام؟

– زيارتي لدبي جاءت في سياق مهرجان «دبي لينكس» المتخصص في مجال التسويق والإعلام، الذي يُكرم سنوياً أهمّ المبدعين في تلك الصناعات الإبداعية، حيث أضحت دبي عاصمتها في المنطقة بعد أن كانت لبيروت هذه المكانة المميزة في الماضي. وحضرت للتعريف بكتابي الجديد «الحركة والسكون: الإعلام والقضاء» وللتوقيع عليه، نظراً لما يتضمّنه من محتوى يتناول بالشكل المعمّق العلاقة العضوية ما بين التواصل والقضاء وذلك للمرة الأولى في عالمنا العربي. أما فيما يخصّ دبي، وبالذات في مجال صناعة الإعلام، فمن المؤكد أن للإمارة ميزة تنافسية مهمة ناتجة عن تعدد الثقافات، ووجود سوقٍ إعلامي كبير، نابع من عدد الشركات العالمية واتخاذها دبي مقراً دائماً لها، كما أن عدد السياح الهائل الذي يزور الإمارة على مدار العام، والوفرة المالية التي تسمح بجذب أهم وأكفأ الطاقات البشرية إلى هذه الصناعات في دبي. كل ذلك هو نتاج طبيعي وثمرة رؤية القيادة الحكيمة في دبي خصوصاً والإمارات عموماً.

 

ماهو محتوى أحدث إصدارتك؟

– يتمحور كتابي الذي يحمل عنوان «الحركة والسكون: الإعلام والقضاء» حول الإعلام وعلم التواصل، بحيث يتكامل ويُضيف إلى كتابي الأول السابق «وجهة نظر وسفر.. الإعلام، التواصل والربيع العربي» الذي نُشر أوائل 2012، وهما بداية لسلسلة أعمل عليها. و يضم الكتاب سبعة فصول تسلط الضوء على المحطات المفصلية للقضاء، وثنائية القضاء والإعلام، وأهمية إيجاد استراتيجية مشتركة تعززّ تواصل القضاء أكثر مع الإعلام. ويقدم الكتاب كذلك نظرة لعلاقة جديدة بين الإعلام والقضاء، غايتها رفع الساتر بينهما، ومزيد من التعاون لمصلحة الناس.

لماذا اخترت تناول العلاقة بين الإعلام والقضاء بصفة خاصة، وكونهما سلطة ثالثة ورابعة «متباريتين»، وهل هذه الندية موجودة فقط بعالمنا العربي أم حالة منتشرة عالمياً؟

– اخترت أن أتناول في كتابي الجديد موضوع العلاقة العضوية ما بين الإعلام والقضاء، نظراً لافتقار مكتبتنا العربية إلى مرجعيات أكاديمية أو حتى إلى معلومات موثّقة مجموعة في سردٍ أو كتابٍ واحد يُغطي هذا الموضوع المهم، والذي برز إلى السطح في السنوات الماضية على الأخص نتيجة ظهور الإعلام الجديد. الإعلام، كسلطة رابعة، مهمته المحاسبة والمساءلة والتدقيق في السلطات الثلاث الأولى، بما فيها السلطة القضائية، بينما للسلطة القضائية مهمة مراقبة ومحاسبة السلطة الرابعة؛ أي الإعلام، في حال التعدي على القوانين السارية، مما ينتج حالة «المبارزة». أما العلاقة الندية بينهما فهي ليست موجودة فقط في عالمنا العربي؛ بل حالة منتشرة عالمياً، مع الفارق أننا في عالمنا العربي لم نُحقّق الوعي بعد في طريقة التعاطي معها، مما بكل تواضع أوجب هذا الكتاب.

بصفتك خبيراً بمجال الإعلان أيضاً، كيف ترى مقولة أن الإعلان هو آفة الإعلام، وسطوته المتزايدة هي سبب فساده أحياناً؟

– أعارض بشدّة هذه المقولة، فلولا الإعلان لما وجد إعلام حرّ وغير خاضع لإملاءات من لهم المال والنيّة لاستعمال الإعلام لأغراض خاصة وللبروباجندا. الإعلان هو المدخول النظيف الوحيد الذي لا يتوخّى أي تأثير على سياسات الإعلام، بل يُعطي الإعلام الاستقلال المالي، الذي هو غالباً الدافع الأهم (لكن ربما ليس الأوّل) ضد الممارسات الشاذة وانحرافات بعض وسائل الإعلام.

ما تقييمك لدور الإعلام العربي في تغطية ومعالجة مشاكله وقضاياه الداخلية، ومواجهة تحديات المجتمع خارجياً؟

– الإعلام العربي في تطوّر مستمر يجب أن نشهد له وأن ندعمه لما له من أهمية في تطوير مجتمعنا وإرساء حالة وعي حول حقوق وواجبات المواطن، كما تبرز أهميته في مراقبة ومحاسبة السلطة السياسية، وفي بلورة صورة ذهنية عن العالم العربي لدى المجتمع الخارجي، تعكس حقيقة الأمور بعيداً عن الأفكار الخاطئة التي نجمت عن احتكار الإعلام الغربي للفضاء الإعلامي، ونظرته الشائبة أحياناً لمجتمعاتنا العربية.

أما ضمان مستقبل الإعلام العربي فيتطلب تضافر الجهود بشكل أكبر، خصوصاً لمواجهة تحديات ظهور الإعلام الجديد وتدني نسبة قرّاء الصحف الورقية، والنظرة السائدة أنّ بعض وسائل الإعلام ليست أكثر من أبواق تحركها السياسات، وتفتقر لأبسط معايير الموضوعية.

كيف ترى مستقبل صناعة الإعلام في الوطن العربي، خاصة مع تعرضها لحالة من الانكماش والتراجع؟ وما هي آليات الإنقاذ؟

– علينا أن نفرّق ما بين ما يسمى الإعلام التقليدي، وبين الإعلام الجديد. ففي الحقيقة، إن جمعنا الاثنين، نرى أن صناعة الإعلام في الوطن العربي تشهد تطوراً كبيراً من حيث تعدد الصحف الإلكترونية، وهامش حريتها، كما في صياغة ونقل الخبر عبر مواقع التواصل الإلكتروني، التي تُعد أيضاً شكلاً من أشكال صناعة الإعلام.
أما إن نظرنا إلى الإعلام التقليدي في وطننا بشكل مستقل، فهو في الحقيقة يواجه التحديات ذاتها التي يواجهها الإعلام الغربي والعالمي، مما يتطلب وضع بعض آليات الدعم، مثلاً إعفاء الصحف من الضرائب، ودعمها من حيث زيادة الإعلانات الحكومية والتجارية فيها، ورفع الضرائب على استيراد الورق والحبر وغيرها من المواد التي تُستعمل في طباعة الصحف، إضافة إلى دعمها عبر زيادة عدد الاشتراكات السنوية فيها.

ماهو مستقبل الصحافة الورقية بالتحديد، وهل تتفق مع الرأي القائل بأنها مهددة بالانقراض؟

– لا أعتقد أن الصحافة الورقية مهددة بالانقراض، على الأقل ليس في المدى القريب والمتوسط. قد نشهد زوال بعض الصحف ودمج غيرها، لكن ستبقى الصحف التي ستنجح بالتكيّف مع التطورات التي يشهدها العالم، خصوصاً على مستوى التكنولوجيا وأدوات التواصل الاجتماعي. بالفعل، هناك بعض العادات التي يصعب على الإنسان أن يتخلى عنها، كالإمساك بالورق وتصفح المطبوعات، وهو ما يبرر وجود الكتب الورقية إلى اليوم على الرغم من ظهور الكتب الإلكترونية منذ أعوام عديدة نسبياً.

كيف تكون علاقة الإعلام بالقضاء في عالمنا العربي؟

– لا تزال تسود علاقة الإعلام بالقضاء في عالمنا العربي حالة من الحذر المتبادل، بحيث ينظر الإعلام إلى القضاء على أنّه أداة رقابة وحظر، فيما ينظر القضاء إلى الإعلام على أنّه مُسبب لبعض التجاوزات وعائق أمام سرية المحاكمات وضرورة عدم تسريب بعض المعلومات، لما في ذلك من تأثير على حسن سير وعدالة المحاكمات، لكن علينا بالطبع أن نزيل هذه العوائق النفسية بحيث يتمكن الطرفان من أن يتكاملا بما في ذلك من فائدة عليهما وعلى المواطنين عامة. على القضاء أن يعي أهمية الإعلام وأهمية أن يتواصل مع شرائح المجتمع كافة، كما على الإعلام أن يعي ضرورة احترام خصوصية القضاء، لكن بدون غض النظر عن دوره في محاسبة أي تجاوزات قد تحصل.

هل شعارات الموضوعية والشفافية قابلة للتنفيذ، أم أن المصالح والتوجهات والسياسات التحريرية لكل مؤسسة إعلامية تحول دون ذلك؟

– الموضوعية والشفافية قابلتان للتنفيذ فعلياً، إن أعطينا وسائل الإعلام الاستقلالية المالية التي تجعلها بمنأى عن الاستغلال السياسي أو التحريري. طبعاً لا يمكن تعميم هذه المبادئ بحيث قد تتحول في بعض الحالات وتؤثر على بعض المصالح والتوجهات والسياسات التحريرية للمؤسسة الإعلامية من إمكانية تحقيق الموضوعية والشفافية المرجوة. لكن ما دامت الحاجة المادية غائبة وغير مؤثرّة مباشرة في ديمومة الوسيلة الإعلامية، فهي في معظم الأحيان ستجتهد لتلبية حاجات جمهورها وليس لمن قد يمولها.

كيف تصف علاقة إعلامنا العربي بالمواطنين من ناحية، وعلاقته بالسلطة من ناحية أخرى؟

– في معظم البلاد بمنطقتنا، لا يزال الإعلام خاضعاً لدرجة كبيرة لإملاءات السلطة السياسية، أكان ذلك نتيجة تمّلك الدولة لوسائل الإعلام أم نتيجة غياب الحريات الإعلامية التي تسهم في استقلالية وموضوعية الإعلام.
أما علاقة إعلامنا العربي بالمواطنين فهي تتأثر بشكل مباشر بخضوع بعض وسائل الإعلام لإملاءات السلطة السياسية، بحيث ينظر المواطنون إليها على أنها غالباً أداة سياسية تنقصها الموضوعية التي يتشوّقون إليها، والتي يقدمها لهم الإعلام الجديد، ووسائل التواصل الاجتماعي.

في ظل سطوة مواقع التواصل والإعلام الإلكتروني على حياتنا وعقول شبابنا، كيف تقيم أهمية دور الإعلام التقليدي؟

– للإعلام التقليدي الدور المهم في تشكيل الاتجاهات والآراء في المجتمع، خصوصاً بما يملك من خبرات في صحافة الاستقصاء، وهو ما لا يمكن أن يسمح بأن تحل مكانها مواقع التواصل والإعلام الإلكتروني.
إضافة إلى ذلك، غالباً ما يملك الصحفيون المحترفون في وسائل الإعلام التقليدي المعرفة بمواضيع مهمة، والمهارات التحليلية التي لا يمكن الاستغناء عنها، مما يجعلها أساساً وركناً مهماً في كل ديموقراطية.

ما أهم الآليات التي تنقصنا لتحقيق الفائدة المرجوة من الإعلام؟

– الاستقلالية المالية، والحرية الإعلامية، والموضوعية من الركائز الأساسية لإعلامٍ يتماهى مع هدفه النبيل والأصيل، ويسمح له بمنافسة أو تحقيق التكامل المرجوّ مع وسائل التواصل الاجتماعي الجديدة، والتي مما لا شك فيه أنها وجدت أرضاً خصبة في أرجائنا العربية، نتيجة غياب هذه الركائز المهمة التي يرنو إليها القراء، والمشاهدون، والمستمعون.

ضوابط

يرى رمزي النجار أن الإعلام التربوي الموجه للأطفال يجنح إلى «البروباجندا»، ويحمل مفهوماً خطيراً تحت شعار زيادة الانتماء. ويشير إلى أنه يجب على كل دولة وضع ضوابط مرنة وحضارية على وسائل الإعلام، تحترمها وتلتزم بها، كما لهذه الوسائل أن تتبنّى رقابة ذاتية بعضها ينبع من منطلقات مهنية تعمل ضمن إطارها. أما توجيه سلوك الأجيال المقبلة وزيادة انتمائها فهذا من مسؤولية المدارس والأهل والسلطات الدينية.

نصائح للوسائل التقليدية

تواجه وسائل الإعلام التقليدية، في العالم أجمع، خطراً وجودياً حقيقياً نتيجة ظهور وتطور ما يُسمى بالإعلام الحديث، هذا ما يشير إليه الخبير الإعلامي رمزي النجار، حيث يؤكد أنها ظاهرة يصعب الرجوع عنها فأضحت واقعاً يجب التكيّف والتعامل معه بحكمة وبُعد نظر.
ولذلك، لكي تستمر وسائل الإعلام التقليدية وتحافظ على جمهورها، يرى النجار أن عليها الاستفادة من مصداقيتها وسمعتها التي بنتها على مدى سنوات وعقود لكن من دون إغفال النظر عن ضرورة أيضاً الاستفادة من التقنيات والتكنولوجيات ومنها وسائل التواصل الاجتماعي، عبر نشر وتحليل الخبر بسرعة أو الانتقال من تواصل أحادي إلى آخر متعدد الأبعاد يسمح بمشاركة وتفاعل الجمهور صناعة الخبر أو التعليق عليه. بالإضافة إلى ذلك، ينصح بتبني مقاربة إعلامية تتّسم بالموضوعية في قالبٍ أو شكلٍ حيوي يسمح بتفاعل الناس لكن دون الانجراف نحو الإعلام المبتذل أو ما وصل إليه بعض تلفزيون الواقع.

 


About The Author

A Veteran of Media and Advertising Industry in the Region.


Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *


You may use these HTML tags and attributes: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>